استحوذ لقاء مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، جون راتكليف مؤخرًا مع قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي بالقاهرة، بحضور رئيس المخابرات العامة المصرية، حسن رشاد على اهتمام المراقبين والمحللين، في محاولة لتفسير أسباب الزيارة التي جاءت في خضم الصراع المستمر بالشرق الأوسط. 

 

ووصف موقع "ذا ديبلواتيك أفيرز"، الزيارة بأنها تميزت بمضمونها لا بمظاهرها، موضحًا أنها لم تكن مجرد مجاملة، بل كانت دبلوماسية عملية من النوع الذي يجري خلف الأبواب المغلقة، ثم يُؤثّر بهدوء على ما سيحدث لاحقًا.

 

وأضاف: "كان جدول الأعمال واسع النطاق بقدر ما هو متوتر. ووفقًا لمكتب السيسي، ناقش الجانبان الحروب في إيران وقطاع غزة والسودان، فضلًا عن الهجمات على دول الخليج والتهديدات للأمن البحري". 

 

وعلق الموقع: "هذه القائمة وحدها تُظهر مدى ترابط أزمات المنطقة حاليًا. فشرارة في جبهة ما قد تتحول سريعًا إلى دخان في أخرى"، موضحًا أن السيسي استغل الاجتماع ليؤكد مجددًا رسالة لطالما سعت مصر لجعلها بوصلة المنطقة: أن أفضل طريقة لحل الأزمات هي عبر السياسة والدبلوماسية، لا تركها تتفاقم. 

 

ونقل في هذا الإطار تأكيد الرئاسة المصرية أن "الأهمية القصوى لحل الأزمات الإقليمية عبر القنوات السياسية والدبلوماسية" كانت محور حديث السيسي، وهو خطاب مصري مألوف، بحسب وصف التقرير، لكنه يكتسب وقعًا مختلفًا حين يُطرح في نفس الأسبوع الذي تحذر فيه واشنطن من تصعيد سريع.

 

 

خطورة الوضع 


حذرت وزارة الخارجية الأمريكية المواطنين الأمريكيين من السفر إلى المنطقة مع تصاعد حدة القتال بين السعودية والحوثيين في اليمن. وجاء في التحذير: "هذا الصراع العسكري لديه القدرة على التصعيد بسرعة". 

 

وتعطلت حركة النقل الجوي والبحري بالفعل، وتأثرت صادرات الطاقة، وارتفعت أسعار النفط العالمية لتتجاوز 100 دولار للبرميل. في ظل هذه الظروف، رأى التحليل أن زيارة استخباراتية أمريكية رفيعة المستوى إلى القاهرة تُعد أكثر من مجرد حدث دبلوماسي عابر، فهي مؤشر على أن واشنطن لا تزال تنظر إلى مصر كمنصة لمناقشة المشاكل المعقدة.

 

ونظر إلى التوقيت باعتباره يؤكد هذا التفسير، فقد جاءت زيارة راتكليف بعد أيام قليلة من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالسيسي في القاهرة. وحثّا على تأمين المرور عبر باب المندب بعد سيطرة الحوثيين على الساحل اليمني في هجوم خاطف. 

 

وشدد التقرير على أهمية الأمن البحري، باعتباره "ليس مجرد حديث نظري، بل هو شريان التجارة العالمية، وقد وضعت القاهرة نفسها مجددًا في قلب الجهود المبذولة للحفاظ على هذا الشريان مفتوحًا".

 

وفقًا للتحليل، فإن خيارات واشنطن الأخيرة تُسهم أيضًا في تفسير أهمية القاهرة هذا الأسبوع. فقد أفادت وسائل الإعلام الأمريكية برفض الولايات المتحدة طلبًا سعوديًا بشن ضربة على الحوثيين. وبعد ذلك بوقت قصير، وافقت وزارة الخارجية على صفقة بيع 48 طائرة مقاتلة من طراز إف-35 للمملكة بقيمة 24.3 مليار دولار، واصفةً الصفقة بأنها وسيلة لمساعدة الرياض على "ردع التهديدات الحالية والمستقبلية". 

 

 

الجمع بين ضبط النفس والتعزيز

 

وبحسب تقييم التقرير، فإن الجمع بين ضبط النفس والتعزيز يُعدّ أسلوبًا كلاسيكيًاً لإدارة التحالفات: فلا تُلبّى جميع الطلبات، ولكن لا يُترك الشركاء دون أدوات. وتبقى مصر، الحليف الرئيس للولايات المتحدة وأحد أكبر متلقي المساعدات العسكرية الأمريكية، في وضع فريد يمكّنها من تفسير هذا التوازن للآخرين في المنطقة.

 

وأكد أن "هذه هي القيمة المميزة لمصر. فقد أمضت القاهرة سنوات في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع خصومها الذين بالكاد يتحدثون مع بعضهم البعض، بمن فيهم إسرائيل وحماس وإيران. وفي ظل هذا الوضع المتردي، يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية، بل هو شكل من أشكال القوة". 

 

وصرّح مكتب السيسي بأن راتكليف "أشاد بالدور المحوري لمصر في دعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسويات سلمية وشاملة للأزمات الإقليمية". وهذا الثناء، الصادر عن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ليس مجرد كلام كما يشير التقرير، بل هو اعتراف بأن العمل الاستخباراتي، في أفضل حالاته، لا يقتصر على معرفة الخريطة فحسب، بل يتعداه إلى منع اشتعالها.

 

 

أدواتٍ لخفض التصعيد

 

وأوضح قي هذا الإطار، أن راتكليف كثّف مؤخرًا جهوده في الدبلوماسية الاستخباراتية، متخذًا العلاقات مع الشركاء الموثوق بهم أدواتٍ لخفض التصعيد لا مجرد نقاط تجميع معلومات. ويتماشى اجتماع القاهرة مع هذا التحوّل، إذ يُشير إلى مدير وكالة المخابرات المركزية الذي يستخدم النفوذ والتوقيت والتواصل الشخصي لدعم المنافذ السياسية ما دامت المنطقة قادرة على اتخاذها.


على الرغم من أنه يرى أنه لن ينهي أيٌّ من هذا بشكلٍ سحري الحروب التي أوصلته إلى هناك. لكن بحسب التقرير، يُحقق أمرًا بالغ الأهمية في أسبوعٍ عصيب: فهو يجمع خبراء متمرسين في مكانٍ واحد، في عاصمةٍ لا تزال على تواصلٍ مع الجميع تقريبًا، ويُركز علنًا على التسوية السلمية. في الشرق الأوسط، ولا تُعدّ هذه الزيارة حدثًا عابرًا، بل هي غالبًا الوسيلة لتجنب عواقب أسوأ، وفق قوله.


ومضى قائلاً: "إذا كانت زيارة راتكليف للقاهرة مؤشرًا على ما سيأتي، فإن الولايات المتحدة لا تكتفي بمراقبة أزمات المنطقة، بل تستثمر في الأفراد والشراكات الأكثر قدرة على احتواء هذه الأزمات". 

 

https://www.thediplomaticaffairs.com/2026/09/26/intelligence-diplomacy-in-cairo-ratcliffes-visit-underscores-a-quieter-path-to-stability/